شارل ديدييه
56
رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر
كنا بحاجة إلى مركب يحملنا إلى جدة ، ولم يكن الحصول على مركب يناسبنا بالسهولة التي نعتقدها ، لأن مراكب السويس كلها مرقمة ، ومسجلة ، ليبحر كل واحد بدوره ، دون أن يكون بالإمكان تغيير الدور أبدا . إذا ، لا نستطيع اختيار المركب الذي نريد ، ونحن مجبرون على ركوب المركب الذي جاء دوره في الإبحار سواء كان مناسبا أم لا . لم يكن هذا الأمر ليناسبنا . ولم يكن بوسعنا تجاوز ذلك إلّا بموافقة الحاكم ، وقد كان بلا شك سيوافق على استثنائنا من الدور ، ولكن كان ينبغي طلب ذلك ، وهو إجراء شكلي ممل . وجدنا أنفسنا بفضل المصادفة وكوستا في غير حاجة لطلب مساعدة أحد ، أو لدفع شيء ؛ وهما أمران متطابقان في الشرق . لقد كان يرسو في المرفأ / 32 / مركب من جدة ، ولم يكن ينتظر للعودة إليها إلّا أن يجد أي حمولة كانت ، لقد استأجرناه كاملا لنا ولمرافقينا ولأمتعتنا مقابل مبلغ بسيط بلغ ألف قرش « 1 » ؛ وهو بالتأكيد مبلغ تافه إذا علمنا أن المسافة تبلغ ستة آلاف كيلومتر بحرية ، ناهيك عن أنه كان على المركب أن ينتظرنا في الطور الزمن اللازم لزيارة جبل سيناء . وقد وقع كوستا نفسه عقدا بالعربية ، وختمه بالخاتم القنصلي زيادة في الاحتراز . ولم يكن بيرتون ليسافر معنا لأنه كان ، كما قلت سابقا ، ذاهبا للالتحاق بوحدته العسكرية في بومباي . وإن الباخرة التي ستحمله إلى هناك مع الركاب البريطانيين الآخرين ، التي كان وصولها إلى السويس منتظرا بين لحظة وأخرى ، رست على بعد خمسة أو ستة أميال عن الشاطئ ؛ لأن ضحالة البحر لا تسمح للقطع البحرية الكبيرة بالاقتراب أكثر ، دون أن تتعرض للخطر . وكان أحد الزوارق التابعة للباخرة يؤمن الاتصال بينها وبين المدينة ، ويقوم بعدد من الرحلات بينهما يوميا ؛ وكان على متنه ثمانية أو عشرة من الشجعان الذين يرتدون سترا بيضاء وأحزمة حمراء ، وكان يسير على وجه الماء المستوي كأنه
--> ( 1 ) ذكر بيرتون ذلك في كتابه : قصة رحلة شخصية إلى الحج إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة ، مج 1 ، ص 178 - 179 ، من النص الإنكليزي ، ط 1964 م .